الأمين العام لجمعية المصارف: لحماية أرباح الذهب كي لا نضيف مرة أخرى فرصة ضائعة إلى تاريخنا
Wednesday, 25-Feb-2026 12:54

لفت الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف، في افتتاحية التقرير الشهري للجمعية، إلى أنه "عندما خسر لبنان نحو 11 مليار دولار من القيمة الدفترية لذهبه بين 29 كانون الثاني و2 شباط من العام الجاري، نتيجة تراجع سعر الأونصة من 5600 دولار إلى 4400 دولار، ارتفعت الأصوات المطالبة باعتبار المودعين أصحاب الحق الأول بهذه القيمة. والسؤال المشروع اليوم: ماذا لو شهد الذهب تصحيحاً أكبر؟ وهل يفيد الندم بعد وقوعه؟".

 

واعتبر أن أمام لبنان فرصة استثنائية لإدارة أصل سيادي ثمين بطريقة تحمي قيمته وتحسّن توظيف أثره المالي في خدمة المودعين والاقتصاد، لا سيما أن الأسواق تتحرك ضمن دورات معروفة: صعود، فتصحيح، فركود، ثم صعود جديد. وقال: "إذا قررنا إدخال الذهب في أي مقاربة للحل، فيجب أن نفعل ذلك بعقلية حماية الأرباح والاستفادة منها".

 

وأضاف: "لقد أحسن المجلس النيابي عندما منع تسييل الذهب في مراحل حساسة من تاريخ لبنان. إلا أن تحويله إلى أصل جامد خارج أي إدارة مالية محترفة قد يفوّت على لبنان فرصة حماية قيمة هذه الثروة في التوقيت المناسب، لأن التفريط كما الجمود، ليسا الحل".

 

وكتب:

1- بالأرقام: الذهب يرتفع… ثم يُصحّح

قراءة مسار الذهب لا تقتصر على القمم السعرية التي يبلغها، بل تشمل أيضاً التصحيحات التي تليها، والتي قد تكون عميقة وطويلة الأمد. وهذه حقيقة تؤكدها دوراته التاريخية.

محطات بارزة بعد القمم السعرية:

كانون الأول 1974

القمة: 195 دولاراً للأونصة

القاع اللاحق: 100 دولار

نسبة الهبوط: 48.72%

استعادة القمة: بعد 3 سنوات و3 أشهر (آذار 1978)

كانون الثاني 1980

القمة: 875 دولاراً للأونصة

القاع اللاحق: 252 دولاراً (آب 1999)

نسبة الهبوط: 71.2%

استعادة القمة: بعد 28 عاماً (كانون الثاني 2008)

أيلول 2011

القمة: 1920 دولاراً للأونصة

القاع اللاحق: 1046 دولاراً (كانون الأول 2015)

نسبة الهبوط: 45.5%

استعادة القمة: بعد 9 سنوات وشهرين (تموز 2020)

وأكد أن هذه الوقائع تكفي لتوضيح الفكرة الأساسية: الذهب قد يسجل ارتفاعات قوية، لكن تاريخه حافل بتصحيحات قاسية وممتدة، ما يجعل الحديث عن احتمال التصحيح قراءة واقعية لدورات تمتد لسنوات، لا تهويلاً.

 

2- الذهب والأرباح الدفترية: أين تكمن المخاطرة؟

في لبنان، لا يقتصر النقاش على الذهب كاحتياطي سيادي، بل يتصل أيضاً بدوره كرافعة محتملة في أي مقاربة مالية لمعالجة الأزمة.

وأوضح خلف أن تراجع سعر الذهب قد يُعتبر خسارة دفترية، لكنه في جوهره أرباح ضائعة. فإذا بُنيت الأرقام على قيمة مرتفعة للذهب ثم دخل في تصحيح حاد، تهتز صدقية تلك الأرقام. ومن هنا، فإن تعليق الآمال على قيمة الذهب من دون حماية أرباحه أو تحقيقها يتحول إلى رهان على أصل متقلب.

 

3- سيناريو يجب أن يفهمه كل مواطن

على سبيل المثال التوضيحي، إذا اعتُمدت قيمة الذهب على أساس 5600 دولار للأونصة (القمة المسجلة في كانون الثاني 2026)، ثم دخل الذهب في تصحيح ضمن نسبه التاريخية، تكون النتائج على الشكل الآتي:

تصحيح بنسبة 30%: يهبط السعر إلى نحو 3900 دولار للأونصة، ويتراجع احتياطي الذهب إلى حوالى 36 مليار دولار.

وأشار إلى أن تصحيحات أقسى بنسبة 45.5% أو حتى 71.2% ليست فرضيات نظرية، بل سيناريوهات تاريخية يجب أخذها في الاعتبار عند إعداد أي خطة مستقبلية.

 

4- المطلوب حماية الذهب لا التفريط به

المسألة، بحسب خلف، لا تتعلق ببيع الأصل، بل بحماية أرباحه عبر أدوات مالية وإدارة نشطة ضمن حوكمة واضحة وشفافة، تشمل:

سياسات تحوط مسبقة باستخدام أدوات مالية مناسبة كالعقود الآجلة أو الخيارات.

إدارة فاعلة لمركز الذهب لحماية القيمة والاستفادة من التقلبات من دون المساس بالأصل.

تحقيق جزء مدروس من الأرباح وتحويله إلى سيولة أو عوائد ضمن آلية عادلة تخدم المودعين.

 

5- التجربة العالمية

لفت إلى أن إدارة احتياطات الذهب لدى المصارف المركزية عالمياً لا تقتصر على الشراء، بل تشمل البيع التكتيكي وإعادة التوازن وإدارة المخاطر وفق قواعد مهنية واضحة. وحتى في سنوات الشراء الصافي المرتفع، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي قيام بعض المصارف المركزية بعمليات بيع "تكتيكية ومحدودة" ضمن إدارة نشطة، لا في إطار تصفية الاحتياطي.

ومن الأمثلة:

المصرف المركزي الفلبيني الذي أوضح أن مبيعاته بين آذار وآب 2024 (نحو 30 طناً) جاءت في سياق إدارة نشطة للاستفادة من ارتفاع الأسعار.

مصرف كازاخستان الوطني الذي نفذ مبيعات شهرية خلال 2024 مع تحسن الأسعار.

المصرف المركزي الروسي الذي باع جزءاً من احتياطه في كانون الثاني 2026 مستفيداً من مستويات قياسية.

وأكد أن النقاش في لبنان يجب ألا ينحصر بين خيارَي "البيع" أو "المنع المطلق"، بل بين تجميد أصل سيادي متقلب وإدارته مهنياً ضمن سقوف قانونية صارمة وشفافية كاملة وآليات تحوط تحمي المصلحة الوطنية وحقوق المودعين.

 

6- الإدارة المهنية لاحتياطي الذهب

أشار خلف إلى أن كل دورة صعود ترفع سقف التوقعات سريعاً، فترتفع الأرقام من 6000 إلى 7000 دولار، ثم يتحول الخطاب عند أول هبوط إلى خوف مفرط. واعتبر أن هذه ردود فعل بشرية مفهومة لكنها لا تصلح أساساً لسياسات وطنية.

واقترح مقاربة تقوم على فصل واضح بين شقين:

شق احتياطي محمي بالكامل يُصان كركيزة سيادية.

شق محدود ومدروس يُدار ضمن إطار مهني صارم لحماية القيمة وتحقيق منفعة تدريجية تخدم المودعين والاقتصاد.

وهنا تكمن المعادلة الصحيحة: لا بيع عشوائياً ولا شللاً كاملاً، بل إدارة مهنية مسؤولة.

 

7- الذهب ودوره في الحلول

وفي حال تقرر إدخال الذهب ضمن أي حل، شدد على ضرورة اعتماد خطوات واضحة منذ البداية، أبرزها:

احتساب سيناريوهات التصحيح (30% و40% و50%) استناداً إلى تاريخ تقلبات الذهب قبل بناء الأرقام.

حماية الأرباح بأدوات تحوط واضحة ضمن حوكمة شفافة.

تخصيص جزء من الأرباح أو العوائد، عند تحققها، لمسار يخدم المودعين ضمن آلية قابلة للتنفيذ.

تكليف اختصاصيين دوليين في إدارة التحوط وإعادة التمركز تحت رقابة ومعايير مهنية واضحة.

 

وختم بالقول: "الذهب ثروة وطنية يجب أن تُدار بحكمة. والتاريخ يبيّن أنه يرتفع ثم يُصحّح، وقد يطول انتظار استعادة القمم. لذلك فإن حماية أرباح الذهب ضرورة حتى لا نضيف فرصة ضائعة جديدة إلى تاريخنا".

الأكثر قراءة